الدين و الحياة

سِرّك بين اثنين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد …
كل واحد منا يعيش حياته الخاصة التي يحب أحيانا أن يشاركها مع غيره وأحيانا أخرى لا يحب أن يعرف عنها أحد شيئا سواء كانت بالخير أو السوء …
وحياة كل شخص تختلف عن حياة الآخرين بكل تفاصيلها غالبا ـ حتى وإن تشاركت في القليل ـ …

ومن سنة الله في خلقه أن الإنسان يحتاج دائما إلى مجتمع يعيش فيه فلا يستطيع إنسان أن يعيش منعزلا عن العالم مهما كان ومهما حدث قال تعالى ” وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) ” (الأنفال)

ولكل إنسان دائما أسراره الخاصة ، ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه فهو يميل دائما إلى اتخاذ صديق يكون أقرب إليه من أخيه , يفيض إليه بكل ما يدور حوله أو يشعر به أو يفكر فيه .

لذا أوجه نصيحتي وقلمي إلى الاثنين : صاحب السر والصديق …
أما الصديق فأقول له : اتق الله في السر الذي أودعه صاحبك إياه فلو أنه لم يثق بك ما أودعك سره .

وحفظ السر وكتمانه قاعدة عظيمة في التعامل مع الإخوان والخلان ، وهي من أخلاق أهل الإيمان ، وإفشاؤها دون ضرورة مبيحة ولا حاجة ملحة من أخلاق أهل النفاق ، وقد جاءت الأدلة تترا في الحث عليه وبيان فضله ، والتحذير من التخلق به وخاصة أسرار البيوت فإن الذي ينشرها من شر الخلق عند الله.
ودليل هذه القاعدة قول الله تعالى ” وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ” التحريم 3
وعليك أن تعلم أيضا أن لكتمان السر فوائد ، منها :
(1) به يتمكّن الإنسان من قضاء مصالحه، ولا يواجه ما يعوقه عنها.
(2) كتمان السّرّ لون من ألوان الأمانة، والأمانة من علامات الإيمان.
(3) كتمان السّرّ لون من الوقار والاحتشام ودليل على الرّزانة والوقار.
(4) هو فضيلة إنسانيّة بها يرتقي المرء في درجات الكمال.
(5) يوثّق صلة الإنسان بأخيه حين يحفظ أسراره.
(6) حين يثق الإنسان بأنّ صاحبه يحفظ أسراره يمهّد ذلك له استشارته فيما لا يحبّ أن يطّلع عليه النّاس.
(7) يؤدّي حفظ السّرّ إلى توثيق عرى المحبّة بين الإنسان ومن يحفظ عليه سرّه.
وبوب النووي – رحمه الله – في رياض الصالحين (ج 2/616) ” باب حفظ السر” واستدل لذلك من القرآن بقول الله تعالى : ]وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (.

أما صاحب السر :
فنصيحتي لك باختصار اجعل سرك لنفسك فلا تحاول أن تحفظه عند أحد فإذا كنت لا تستطيع تحمل سرك فلن يستطيع غيرك تحمل سر غيره وتأكد سرك إذا خرج بين اثنين فليس بسر ، هل تعلم ما هما الاثنان ؟
إنهما شفتاك بالفعل إنهما شفتاك فلا يخرج سرك خارجهما ، وإن كان ولا بد من قول شئ لأصحابك ، فهناك أسرار تقال وأسرار تموت بموتك …

وأخيرا ….

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لرياض الصالحين (2/617)قال الإمام النووي -رحمه الله- ( باب حفظ السر ) والسر هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك ولا يحل لك أن تفشي هذا السر أو أن تبينه لأحد سواء قال لك لا تبينه لأحد أو علم بالقرينة الفعلية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد أو علم بالقرينة الحالية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد .
مثال الأول : اللفظ أن يحدثك بحديث ثم يقول لا تخبر أحدا هو معك أمانة .
ومثال الثاني : القرينة الفعلية أن يحدثك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت يخشى أن يكون أحد يسمع لأن معنى التفاته أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد.
ومثال الثالث : القرينة الحالية أن يكون هذا الذي حدثك به أو أخبرك به من الأمور التي يستحي من ذكرها أو يخشى من ذكرها أو ما أشبه ذلك فلا يحل لك أن تبين وتفشي هذا السر. أهـ

كتبه أبو مازن أحمد بن فؤاد الدرعمي 

فجر الجمعة 8/6/2018م

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

إغلاق